الشوكاني
300
نيل الأوطار
والنووي ، وذهب آخرون إلى ترجيح حديث عبد الله بن سلام ، حكى ذلك الترمذي عن أحمد أنه قال : أكثر الأحاديث على ذلك . وقال ابن عبد البر : أنه أثبت شئ في هذا الباب ، ويؤيده ما سيأتي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن من أن ناسا من الصحابة أجمعوا على ذلك ، ورجحه أحمد وإسحاق وجماعة من المتأخرين . ( والحاصل ) أن حديث أبي هريرة المتقدم ظاهره يخالف الأحاديث الواردة في كونها بعد العصر ، لأن الصلاة بعد العصر منهي عنها وقد ذكر فيه : لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي وقد أجاب عنه عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة ، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي ، ولكنه يشكل على ذلك قوله قائم ، وقد أجاب عنه القاضي عياض بأنه ليس المراد القيام الحقيقي ، وإنما المراد به الاهتمام بالامر كقولهم : فلان قام في الامر الفلاني ، ومنه قوله تعالى : * ( إلا ما دمت عليه قائما ) * ( آل عمران : 5 ) وليس بين حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى الآتي تعارض ولا اختلاف ، وإنما الاختلاف بين حديث أبي موسى وبين الأحاديث الواردة في كونها بعد العصر ، أو آخر ساعة من اليوم وسيأتي . فأما الجمع فإنما يمكن بأن يصار إلى القول بأنها تنتقل ، فيحمل حديث أبي موسى على أنه أخبر فيه عن جمعة خاصة ، وتحمل الأحاديث الاخر على جمعة أخرى ، فإن قيل بتنقلها فذاك ، وإن قيل بأنها في وقت واحد لا تنتقل ، فيصار حينئذ إلى الترجيح ، ولا شك أن الأحاديث الواردة في كونها بعد العصر أرجح لكثرتها واتصالها بالسماع ، وأنه لم يختلف في رفعها ، والاعتضاد بكونه قول أكثر الصحابة ففيها أربعة مرجحات . وفي حديث أبي موسى مرجح واحد وهو كونه في أحد الصحيحين دون بقية الأحاديث ، ولكن عارض كونه في أحد الصحيحين أمران وسيأتي ذكرهما في شرحه . وسلك صاحب الهدى مسلكا آخر ، واختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين ، وأن أحدهما لا يعارض الآخر ، لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم دل على أحدها في وقت وعلى الآخر في وقت آخر ، وهذا كقول ابن عبد البر : أنه ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين ، وسبق إلى تجويز ذلك الإمام أحمد . قال ابن المنير : إذا علم أن فائدة الابهام لهذه الساعة والليلة القدر بعث الدواعي على الاكثار من الصلاة والدعاء ، ولو وقع البيان لها لا تكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها ، فالعجب بعد ذلك ممن يتكل في طلب تحديدها ، وقال